ابن سبعين

372

رسائل ابن سبعين

الخيرات المتعدية ، ومزيته بينة ؛ لأن الموافقة النبوية فيه ، وعليه المقر والأسوة يشبه به من كان كذلك في لواحقه ، وأيضا لا بد من تدبير المبتدىء ، وهو تقرير القواعد الدينية العلمية والعملية ، ثم تمهيد الطريق ، وتفقد أحواله ، ويقابل بما يظهر عليه ، ويعرف منه ، ولا يلتزم السوابع ، وإنما يكون الصوم على قدر الطاقة ، والخلوة كذلك . والامتناع عن الكلام ، والتزام أفعال البر على قدر الموزون ، والتشبه بالذوات الفاضلة والأخذ مع الطبيعة ، والخروج عن العوائد القاطعة ، فمرة يلازم الصوم ، ويفاصل المريد ، وأخرى يمنع من ذلك ، وحيث ظهر الرجحان يعتمد على استعماله كالحالة في الأدوية المقابلة للأدواء ، والأدعية المأثورة التي حصلتها أبواب الصحيحين تستعمل لأمور : منها البركة والنفع المحض ، وكلمات يتحقق فيها رضوان اللّه ، ومن تقرب إلى المطلوب بما يرضاه نفعه ووفقه وقربه واصطفاه ، ويدرج قوت الفقير على قدر ما يلحق منه . فمن عرف منه ذلك أخذ معه إلى غاية ، ومن كان دون ذلك رتب له العرف المنوط بعادته ، ثم ينقل عنه للأمور التي تسرق الطبيعة بحيث لا تشعر به كالحبوب التي تجعل في الميزان الأول ، والعود الأخضر ، ثم ينقص القدر اليسير ، ولا يبلغ الأمر بذلك إلى تشنيع الحال ، ولا أقل من ثلاث الأول ، والرابع أيضا قد تحمله طبع المجاهدة ، والأول هو المختار ، وأنت أعزك اللّه تعالى ، وأعانك تجعل لنفسك من الصوم الأيام المذكورة في الصحف الشرعية ، فمنها شهر رمضان ، وست بعده ، وستون قبله ، وعشر ذي الحجة بجملته ، والمحرم بكامله ، والأيام البيض ، والأول من كل شهر ، وتقوم من الليل ثلاثة فقط ، وتقسم القرآن على الأدوار بحيث تختمه في الشهر مرة لأن الذكر والمطالعة تطلب حقها من عرض الهمة وجوهر النفس وتعب العقل النوراني . والكلام لا يكون إلا في المخاطبة المقيدة ، أو يكون في حيز الجواب إلا مع التلميذ فيكثر منه في منافعه ، وفي الذي يخصه . والهدية تقبل والطريق إليها لا تستعمل ، ورجالها تحمد أفعالهم ، ولا يرغب فيه ، ويقاوم بمثلها ، والسبب يفزع إليه ، ويد الورع تتولاه عضدها ، والعلم المطلق شخصها ، ويلازم الصدق حتى في القبض والبسط ، والأهل ولواحق القرابة يجعل لهم من النفس حظ الرفق والغبطة . ولا تصادم الطباع ، ولا تعاند الإفهام ، والدعوى إلا على قدر ، بعد ما يقبل الطريق علما ، أعني : المنوطة بالنحل والملل ، ويكثر من مطالعة العلوم الشرعية ، ويقتصر على علوم القرآن والحديث ، ثم المسموع عن الرجال ، فإذا حضر التحقيق والمحقق ، فليس إلا ذلك بوجه أفضل ، وكل علوم الملة كفاية عنه ، وحاملة إليه ، وباحثة عنه ، وراغبة فيه ،